التحول الاستراتيجي: من وقود المستقبل إلى وقود الذكاء
في أغسطس 2025، كشفت وكالة «بلومبرغ» عن تحول نوعي في استراتيجية شركة «مصدر» الإماراتية — رائدة الطاقة المتجددة في المنطقة — حيث أعادت توجيه مليارات الدولارات المخصصة أصلاً لمشاريع الهيدروجين الأخضر نحو تمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات [3]. هذا القرار ليس معزولاً، بل يعكس معادلة اقتصادية جديدة تعيد رسم خريطة استثمارات الطاقة في العالم العربي.
أرقام تروي القصة: خطة الـ 6 غيغاواط ومسار جديد
الخطة الأصلية لـ «مصدر» كانت طموحة: توليد 6 غيغاواط من الطاقة الشمسية لإنتاج نحو 350 ألف طن من الأمونيا الخضراء سنوياً. لكن مشروعاً للطاقة الشمسية بقيمة 6 مليارات دولار أُعيد تخصيصه بالكامل لتغذية مراكز البيانات، استجابةً لطلب متزايد من قطاع التكنولوجيا [3].
الرئيس التنفيذي محمد الرمحي أوضح أن ضعف الطلب العالمي على الوقود النظيف — مع إلغاء 30 مشروع هيدروجين أخضر عالمياً بين 2024 و2025 وفق «بلومبرغ إن أي أف» — جعل العوائد غير مضمونة، فيما يتضاعف الطلب على طاقة مراكز البيانات أكثر من ثلاث مرات بحلول 2030 [1, 3].
"الطاقة لم تعد مجرد سلعة تُباع، بل أصبحت العملة التي تشتري بها الدول مقعدها في اقتصاد الذكاء الاصطناعي."
— Hesham Kholef
المعادلة الاقتصادية: 320 مليار دولار مقابل رهان الهيدروجين
وفقاً لـ «PwC»، قد تصل مساهمة الذكاء الاصطناعي في اقتصاد الشرق الأوسط إلى 320 مليار دولار بحلول 2030 [1]. هذا الرقم يضع الهيدروجين الأخضر — رغم أهميته الاستراتيجية للمناخ — في موقع المنافس على رأس المال المحدود، لا الشريك الحصري.
القرار ليس تخلياً عن الهيدروجين، بل إعادة ترتيب أولويات: الطاقة النظيفة ستبقى الهدف، لكن الذكاء الاصطناعي أصبح المحرك التجاري الفوري الذي يمول التحول.
نمو «مصدر» يتسارع رغم التحول
المفارقة أن محفظة «مصدر» نمت 62% خلال عام واحد، لتبلغ القدرة الإجمالية للمشاريع (قيد التشغيل والإنشاء والتطوير) 51 غيغاواط — محققة أكثر من 50% من هدف 2030 البالغ 100 غيغاواط [3]. المشاريع قيد التشغيل وحدها تنتج 29.225 غيغاواط/ساعة وتجنب انبعاث 15.5 مليون طن CO₂ سنوياً.
الصورة الأكبر: سباق عربي على "طاقة الحوسبة"
الإمارات ليست وحدها. السعودية عبر «نيوم» و«أكوا باور» تمضي في أكبر مشروع هيدروجين أخضر عالمياً، لكنها في موازاة ذلك تبني مراكز بيانات عملاقة وتستثمر في شرائح الذكاء الاصطناعي. مصر وقطر والأردن تتبعان مسارات مشابهة: الطاقة المتجددة لم تعد هدفاً مناخياً فحسب، بل مدخلاً لاقتصاد الحوسبة.
ماذا يعني هذا للمستقبل؟
العالم العربي يقف عند مفترق طرق: الدول التي تنجح في تحويل فائض طاقتها الشمسية (الأرخص عالمياً) إلى قوة حوسبة ستجذب الاستثمارات التكنولوجية، وتخلق وظائف المعرفة، وتتحول من «مصدر للطاقة» إلى «مركز للذكاء».
التحدي الحقيقي ليس تقنياً — بل حوكمة: كيف توازن الحكومات بين التزامات المناخ (صفرية الانبعاثات) والحاجة الملحة لتوليد عائد فوري من أصول الطاقة؟ إجابة «مصدر» واضحة: الذكاء الاصطناعي يمول التحول الأخضر.
Comments (0)